مكي بن حموش
5814
الهداية إلى بلوغ النهاية
ثم قال تعالى : وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا أي : لو كانوا معكم لم يقاتلوا معكم إلا تعذيرا لكم لأنهم لا يحتسبون في ذلك ثوابا ولا جزاء . ثم قال تعالى : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ هذا عتاب من اللّه للمستخفين عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة من المؤمنين ، أي : كان لكم أن تتأسوا به ، وتكونوا معه حيث كان ولا تتخلفوا عنه . ثم قال : لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ / أي : ثواب اللّه في الآخرة . وَالْيَوْمَ الْآخِرَ أي : ويرجو عاقبة اليوم الآخر . وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً أي : وأكثر ذكر اللّه في الخوف والشدة والرخاء . قوله تعالى ذكره : وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ [ 22 ] إلى قوله : غَفُوراً رَحِيماً [ 24 ] . أي : ولما عاين المؤمنون جماعة من الكفار ، وقالوا تسليما منهم لأمر اللّه وتصديقا بكتابه : هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ يعنون قوله تعالى ذكره : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ « 1 » . ثم قال : وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً أي : ما زادتهم الرؤية لذلك إلا إيمانا باللّه وتسليما لأمره ، وإنما ذكّر " زادهم " لأن تأنيث الرؤية غير حقيقي . ودل " رأي " على الرؤية ، هذا قول الفراء « 2 » وعلي بن سليمان « 3 » .
--> ( 1 ) البقرة : آية 212 . ( 2 ) انظر : معاني الفراء 2 / 340 ، وإعراب النحاس 3 / 310 ، والجامع للقرطبي 14 / 157 . ( 3 ) هو أبو الحسن علي بن سليمان بن الفضل المشهور بالأخفش الصغير ، نحوي ولغوي . روى عن ثعلب والمبرد وغيرهما ، وروى عنه المرزباني وأبو الفرج المعافى الحريري وغيرهما . توفي سنة 315 ه . انظر : نزهة الألباء 248 ، ( 92 ) ، ووفيات الأعيان 3 / 301 ، ( 437 ) ، وإنباه الرواة 2 / 276 ، ( 460 ) ، وبغية الوعاة 2 / 167 . وقد ورد قول علي بن سليمان في إعراب النحاس 3 / 310 ، والجامع للقرطبي 14 / 157 .